رد: ـأحْـلآإمْ مَـنـسِـيّـه .
.
توقفت زكية مجددا أمام باب الحجرة المجاورة ..
- الأوضة دي بتاعت الواد خليفة .. اتنينا و عشرين سنة .. شلل كامل بعد حادث سيارة .. يعني ما فيش حاقة بتتحرك فيه أبدا غير عينيه و بوؤه .. بس بيحس باللي حواليه .. و بيئدم اشارات تفاعل خفيفة أوي .. بس زي ما بيئولو أول الغيس أطرة .. ع العموم المستشفى حول الحالة ديت لنها عاوزة متابعة على مدار الساعه .. يعني الواد مش آدر يعمل لنفسوا حاقة .. على كدا نحنا مسؤولين عن كل حقاتو ..
.
.
لم تتفوه هي بحرف ..
تشعر بالكلمات قد علقت في حلقها الجاف ككرة شوك ..
يديها ترتعشان .. لا .. لا تريد هذه الحالة ..
لديها واحدة ربما ليست مثلها تماما .. لكن تكفيها .. و لم تستطع حتى الآن معالجة أمرها ..
قدميها تثقلان و زكية تشير لها بأن تتبعها .. أغمضت عينيها بقوة و سحبت نفسا عميقا .. هذه حكاية مؤلمة تتكرر كثيرا ..
دفعت نفسها بقوة للدخول .. و تجوزت عتبة الباب .. ليمتد النظر فيعبر الحجرة الصغيرة و يقع على الجسد المسجى على الملاءة البيضاء ..
كان ينظر للفراغ فيما جلست ممرضة على كرسي بجانبه تقرأ كتابا بصوت واضح ..
اقتربت أحلام و هي تجر قدميها جرا .. دنت من فراش هذا الشاب و صور فضيعة قديمة تدور في ذهنها ..
امتدت يد زكية بورقة محارم ناعمة تمسح بها خط لعاب سال على جانب وجهه بعجز ..!!
.
.
بلعت دمعة سدت حلقها و هي تنظر لجسد هذا الشاب المرتخي .. فتيّا .. في مقتبل العمر ..
كان لا يزال أمامه الكثير من السنوات .. الكثير ليعيشه و يتمتع به .. الكثير ليراه ...
.
.
شبح الموت الحديدي الذي يمشي على الإطارات .. يزهق أحلام الكثيرين ببساطة .. و هذا وحد منهم ..!!
مرت دقيقة ثقيلة على نفسها .. تنكأ جروحا لم تلتئم بعد ..
شعرت بالاختناق .. هذه الغرفة تضيق عليها ..
أشاحت بوجهها ..
تحتاج للخروج من هنا ..
نظرت لزكية بنظرة رجاء ..
- خلينا نشوف باقي الحالات ..
هزت الأخيرة رأسها بحماس ..
لتلقي كلمات على مسامع الشاب .. لم تصل لعقل أحلام الذي كان غارقا في بُعد آخر..
.
.
تنفست الصعداء حين تركت الحجرة مع زكية ..
تشعر بثقل في صدرها و ذكرى تلك اللحظات البائسة تراودها حين رأت الشاب ملقى بلا حراك ..
.
.
- مدام أحلام فيه حاقة ..
سألتها زكية و قلق حنون يكسو وجهها المستدير ..
ابتسمت أحلام بسرعة ..
- و لا شي .. بس أفكر في هله .. وينهم عنه ؟!!
هزت زكية رأسها ..
- دول أهلوا دايمن هنا .. بس مافيش مساحه ليه في البيت مع الممرضين يعني .. هم ناس على أد حالهم و البيت صغير .. و فهمك كفاية ..
هزت رأسها بشرود ..
و هي تتقدم معها تعبر الممر .. الغرفتين المجاورتين كانتا شاغرتين ..فتجاوزتاها للغرفة الثالثة ..
و في اللحظة التي فتحت فيها زكية الباب .. شعرت أحلام بسيل متدفق من الكلمات ينهال عليها و ينتشلها من أفكارها تلك ..
.
.
قبل أن تقتحم حدود الغرفة فتتبين ساكنيها ..
صوت حاد يخترق سمعها كصوت مثقاب الجدار ..
- ما شا الله عليج .. اشووه زكية .. ياية بدري الشيخة .. سمحيلنا عاد كان قطعنا عليج شي و إلا شيات .. ندريبج انتي دووومج مشغولة .. و نحن غلسين و غثة .. ماااا قوووول غييير حسبي الله عليكن من سسترات .. أنا لو بمووت ما بموت إلا على ايديكن .. و الله ثم الله لو تدري الحكووومة بسواد ويوهكن كنسلتكن اليوم قبل بااكر .. عنبووه خافن ربكن فينيه .. عيووز أنا .. تبن تنفدنيه .. زكيووووووه .. اشعنه محد يا يعطينيه الابرة .. مستعيلات ع يوميه .. تبن الفكة .. يعل ظروسكن الفك .. قوووووولن آمين ..
.
.
كانت تقف خارج الغرفة و قد تدلى فكها في ذهول .. بالله عليكم ما هذا .. ؟؟!!
.
.
لكن صوت زكية المهدئ وصل لأذنيها رغم تلك الكلمات التي كانت صاحبة الصوت الحاد ترشقها بلا توقف كالحجارة ..
- فيــــــــــــــــه إيـــــــــــــــــه يــــــام حمـــــــــــــــــيد .. بتزعئي ليه ..
عاد الصوت يطن في أرجاء الغرفة التي حاذرت أحلام من دخولها ..
- و لشوه ما زاعج .. عنبوووه الساعة هدعش و أنا بعدنيه هب متريقة .. شقا بتريق و محد ظربنيه بالابرة هاا ..
صوت زكية المتسائل ..
- هيا سوما ما جتش بالابرة ..
.
.
كلماتها التالية جعلت الضيق يعترم صدر أحلام و هي ترمي بها كالسهام بلا هوادة ..
البعض منها يخطئ ..
.
.
و البعض يصيب في مقتل ..!!
.
.
- ماااااباااااااهاااا هاي السمسومة يعلها السم .. ما فيهن خير الهنديااات .. ما يندرابها كان بتظربنيه بعوق في الابرة .. ماباها و انا قايلتلج من قبل .. هالسمسومة لا طرشينها عليه .. بس انتي ما تفطنين ..
بدا صوت زكية مهدئا ..
- خلص يا ستي معليش .. انا أروح دلوئتي أجيب الابرة و الفطار .. بس انتي اهدي شوية .. دا مش كويس لصحتك خالص ..
- ماااااااا عليه من هذرتج .. دواج عند بو عبدالرحمن .. هو لي بيسنعج ... يالسة ترتدغدين و فارتينيه عند سمسومة هندية .. اصلا أدريبكن انتن .. كلكن ما تبنا .. هم على قلوووبكن ..
تنهدت زكية ...
- طيب على رحتك بس أبل ما أخرج .. عاوزة أوريك حاقة .. - ثم رفعت صوتها منادية - مدام أحلام .. وائفة برا ليه .. ما تتفضلي ..
.
.
في الحقيقة لم تحبذ أحلام فكرة الدخول .. ربما قد تتعرض لهجوم يشن من طرف مجهول .. فزكية لم تعطها فكرة مبسطة عن هذه الحالة ..!!
لكنها كرهت هذا التردد في داخلها .. تقدمت بسرعة.. ساحقة أي رغبة في التراجع ..
لترفع صوتها قائلة بقوة ..
- الســـــــــــــــــلام علــــــــــــــــــيكم ..
ساد الصمت المكان .. هدوء لا يسمع فيه إلا توتر الأنفاس ..
للحظــــــــــــــــات ..
أدركت أحلام أنها تقف الآن مباشرة أمام الحالة الثالثة لهذا اليوم ..!!
.
.
امرأة مسنة قدرت ببساطة أنها في العقد الثامن من العمر ..
ترتدي - البرقع - و تجلس على سجادة تشبه تلك التي رأتها في غرفة بو ثاني ..
عينا المرأة تراقبانها بحدة و صوتها يبدو أعلى و أكثر حدة من هذه المسافة ..
- و عليكم السلام .. خير إن شا الله .. امنوووه هاي بعد ..
لم تنتظر أحلام من زكية أن تعرفهما .. بل قالت بوضوح ..
- أنا أحلام عبيد .. مستشارة نفسية ياية أشتغل عندكم ..
سارعت زكية بالخروج .. تاركة أحلام تقف في مواجهة من سمعت زكية تشير إليها بأم حميد ..
عينان حادتين من خلف البرقع الذي شكل حاجزا لا يخترق يخفي الكثير خلفه ..
ظلت المرأة تمرر عيناها طلوعا و نزولا عليها ..
قبل أن تقول بصوت يشق الهواء كالسيف ..
- انتــــــــــــــي معرســـــــــــــــــــــة ..؟
.
.
فتحت أحلام عيناها بدهشة .. ما هذا السؤال الغريب ..؟!!
رأت أنه لا ضرر من الإجابة .. فقالت ببساطة ..
- هيه نعم ..
سرعان ما ندمت على كلمتها تلك ..
إذ انقضت عليها العجوز بكلماتها الشرسة .. و أصبحت في ثواني هي المستهدفة الجديدة ..
- عـــيل ما نباج الشيخة .. توكلي .. انتن لمعرسات تيي الوحدة منكن من بيتها مضيقة و متواقعة ويا ريلها ... و تفك حرتاا فينا نحن المسااكين .. تهد عليناا .. و تلعوزنااا .. بو عبد الرحمن ليش يابج .. يدريبناا ما نباكن ..
كانت أحلام متفاجئة من ردة فعلها ..
و لكن الأولى لم تتوقف عن التحدث بصوت أقرب للنعيق ..
- شعنه تطالعينيه هااا .. لا تسوين عمرج طيبة و مادري شووه .. عليكن علوووم انتن ما تسر .. روحن عالجن الميانين أخيرلكن .. و لا عاد وحدة منكن تشبر عدنا ..
ثم أخفضت صوتها .. و لكن الكلمات وصلت لأذني أحلام ..
- مسودات الويه ..
.
.
شعرت أحلام بالغضب يتصاعد في داخلها .. فقد كانت المرأة تشير لها بصيغة الجمع مع من سبقها هنا على ما يبدو .. و لكنها لجمت نفسها .. لتنظر لعيني تلك اللبوة الثائرة بشيء من التحدي ..
- أنا هب ياية ألعوزج و الا أأذيج.. ياية عنديه شغل كم شهر و مروحه .. و كان ما تبينيه عندج بو عبد الرحمن خبريه .. خلاف هو يامر عليه كان أتابعج و إلا لا ..
و قبل أن تسنح للعجوز الفرصة لقذف أي كلمة حادة .. تركت أحلام الغرفة بسرعة ..
و هي تلهث .. كانت مواجهة هذه المرأة صعبة .. ما الذي يجعلها نزقة هكذا ..!!
أتت زكية مهرولة من نهاية الممر تحمل في يدها صينية طعام و يبدو الاعتذار على وجهها ..
- معليش يا مدام أحلام حئك عليا .. أنا حشرح لك كل حاقة لما أخلصها .. على كدا امشي انتي للغرفة بتاعت الاستراحة ..
و قبل أن ترد.. دلفت زكية للحجرة ليتعالى نعيق العجوز مجددا .. فابتعدت أحلام بسرعة .. ستصاب بالشقيقة إن أمضت دقيقة إضافية عند باب هذه العجوز ..
اتجهت أحلام نحو غرفة استراحة الممرضات .. تقطع الممر .. و ما زال أمامها حالتين لم تصادفهما ..
.
. |