رد: تفسير سوره يـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوسف أخوة يوسف يشترون القمح من أخيهم يوسف
{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(58)وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ(59)فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ(60)قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ(61)وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(62)}
{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي دخلوا على يوسف فعرف أنهم إخوته ولكنهم لم يعرفوه لهيبة المُلْك، وبُعْد العهد، وتغير الملامح، قال ابن عباس: كان بين إلقائه في الجب وبين دخولهم عليه اثنتان وعشرون سنة فلذا أنكروه، وكان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في بلادهم بسبب القحط الذي عمَّ البلاد، فخرجوا إلى مصر ليشتروا من الطعام الذي ادخره يوسف، فلما دخلوا على يوسف قال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: جئنا للميرة، قال: لعلكم عيونٌ "جواسيس" علينا؟ قالوا: معاذا الله، قال: فمن أين أنتم؟ قالوا من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبيُّ الله، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أصغرنا وهلك في البرية - وكان أحبَّنا إليه - وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلّى به عنه وجئنا نحن العشرة، فأمر بإنزالهم وإكرامهم {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أي هيأ لهم الطعام والميرة وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم {قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} أي ائتوني بأخيكم بنيامين لأصدقكم {أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ} أي ألا ترون أني أتم الكيل من غير بخسٍ {وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} أي خير من يكرم الضيفان وخير المضيفين لهم، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ} أي إن لم تأتوني بأخيكم فليس لكم عندي بعد اليوم ميرة، ولا تقربوا بلادي مرة ثانية، رغبهم ثم توعدهم، قال أبو حيّان: والظاهر أن كل ما فعله يوسف عليه السلام كان بوحيٍ من الله وإلا فمقتضى البر أن يبادر إلى أبيه ويستدعيه لكنَّ الله أراد تكميل أجر يعقوب ومحنته، ولتتفسَّر الرؤيا الأولى {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} أي سنخادعه ونحتال في انتزاعه من يده، ونجتهد في طلبه منه، وإنّا لفاعلون ذلك {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} أي قال يوسف لغلمانه الكيالين اجعلوا المال الذي اشتروا به الطعام في أوعيتهم {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ} أي لكي يعرفوها إذا رجعوا إلى أهلهم وفتحوا أوعيتهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعلهم يرجعون إلينا إذا رأوها، فإنه علم أنَّ دينهم يحملهم على رد الثمن لأنهم مطهّرون عن أكل الحرام فيكون ذلك أدعى لهم إلى العود إليه.
كلام إخوة يوسف مع أبيهم لإرسال أخيهم بنيامين معهم
{فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(63)قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(64)وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(66)}
{فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} أي فلما عادوا إلى أبيهم قالوا له - قبل أن يفتحوا متاعهم - يا أبانا لقد أنذرنا بمنع الكيل في المستقبل إن لم نأت بأخينا بنيامين، فإنَّ ملك مصر ظنَّ أننا جواسيس وأخبرناه بقصتنا فطلب أخانا ليتحقق صدقنا {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ} أي أرسل معنا أخانا بنيامين لنأخذ ما نستحقه من الحبوب التي تُكال لنا {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي نحفظه من أن يناله مكروه {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} أي قال لهم يعقوب: كيف آمنكم على بنيامين وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم بعد أن ضمنتم لي حفظه، ثمَّ خنتم العهد؟ فأخاف أن تكيدوا له كما كدتم لأخيه؟ فأنا لا أثق بكم ولا بحفظكم، وإِنما أثق بحفظ الله {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا} أي حفظُ الله خيرٌ من حفظكم {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي هو أرحم من والديه وإخوته، فأرجو أن يمُنَّ عليَّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} أي ولما فتحوا الأوعية التي وضعوا فيها الميرة وجدوا ثمن الطعام في متاعهم {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي} أي ماذا نبغي؟ وأيَّ شيءٍ نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟ {هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا} أي هذا ثمن الطعام قد رُدَّ إلينا من حيثُ لا ندري، فهل هناك مزيدٌ فوق هذا الإِحسان، أوفى لنا الكيل، وردَّ لنا الثمن!! أرادوا بذلك استنزال أبيهم عن رأيه {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} أي نأتي بالميرة والطعام لأهلنا {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} أي نحفظه من المكاره، وكرروا حفظ الأخ مبالغةً في الحض على إرساله {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} أي ونزداد باستصحابنا له حمل بعير، روي أنه ما كان يعطي الواحد إلا كيل بعير من الطعام، فأعطاهم حمل عشرة جمال ومنعهم الحادي عشر حتى يحضر أخوهم {ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} أي سهلٌ على الملك إعطاؤه لسخائه {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُونَنِي بِهِ} أي قال لهم أبوهم: لن أرسل معكم بنيامين إلى مصر حتى تعطوني عهداً مؤكداً وتحلفوا بالله لتردُنه عليَّ {إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} أي إلا أن تُغلبوا ولا تقْدروا على تخليصه، ولا يبقى لكم طريق أو حيلة إلى ذلك، قال مجاهد: إلا أن تموتوا كلُّكم فيكون ذلك عذراً عندي {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} أي فلما حلفوا له وأعطوه العهد المؤكد {قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي الله شهيد رقيب على ذلك.
وصية يعقوب لأولاده بالدخول متفرقين
{وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ(67)وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(68)}
{وَقَالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} أي لا تدخلوا مصر من بابٍ واحد، قال المفسرون : خاف عليهم من العين إن دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمالٍ وهيبة، والعينُ حقٌ تُدخل الرجلَ القبرَ والجملَ القِدر، كما جاء في الحديث {وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئاً مما قضاه الله عليكم، فإن الحذر لا يدفع القدر {إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ} أي ما الحكم إلا لله جلَّ وعلا وحده لا يشاركه أحد، ولا يمانعه شيء {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي عليه وحده اعتمدت وبه وثقت {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ} أي وعليه فليعتمدْ أهل التوكل والإِيمان، ولْيفوضوا أمورهم إليه {وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ} أي دخلوا من الأبواب المتفرقة كما أوصاهم أبوهم {مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي ما كان دخولهم متفرقين ليدفع عنهم من قضاء الله شيئاً {إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} أي إلا خشية العين شفقةً منه على بنيه {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} أي وإِن يعقوب لذو علمٍ واسع لتعليمنا إياه بطريق الوحي، وهذا ثناءٌ من الله تعالى عظيمٌ على يعقوب، لأنه علم بنور النبوة أن القدر لا يدفعه الحذر {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون ما خصَّ الله به أنبياءه وأصفياءه من العلوم التي تنفعهم في الدارين.
حرص يوسف على إبقاء أخيه بنيامين لديه
{وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(69)فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ(70)قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ(71)قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(72)قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ(73)قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ(74)قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(75)فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(76)}
{وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} أي وحين دخل أولاد يعقوب على يوسف {آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} أي ضمَّ إليه أخاه الشقيق بنيامين {قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ} أي أنا أخوك يوسف، أخبره بذلك واستكتمه {فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لا تحزنْ بما فعلوا بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا بخير، قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه أكرمهم وأحسن ضيافتهم ثم أنزل كل اثنين في بيت وبقي "بنيامين" وحيداً فقال: هذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويعانقه، وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تحزن بما صنعوا، ثم أعلمه أنه سيحتال لإِبقائه عنده وأمره أن يكتم الخبر {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أي ولمّا قضى حاجتهم وحمَّل إبلهم بالطعام والميرة {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} أي أمر يوسف بأن تُجعل السقاية - وهي صاعٌ من ذهب مرصَّعٌ بالجواهر - في متاع أخيه بنيامين {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي نادى منادٍ {أَيَّتُهَا الْعِيرُ} أي يا أصحاب الإِبل ويا أيها الركب المسافرون {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} أي أنتم قوم سارقون، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ}؟ قال المفسرون: لما وصل المنادون إليهم قالوا: ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم؟ ونوفّ إليكم الكيل؟ ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى وما ذاك؟ قالوا: فقدنا سقاية الملك ولا نتّهم عليها غيركم فذلك قوله تعالى: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ} أي التفتوا إليهم وسألوهم ماذا ضاع منكم وماذا فُقد؟ وفي قولهم {مَاذَا تَفْقِدُونَ} بدل "ماذا سرَقْنا" إرشادٌ لهم إلى مراعاة حسن الأدب، وعدم المجازفة بنسبة البريئين إلى تهمة السرقة، ولهذا التزموا الأدب معهم فأجابوهم {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} أي ضاع منا مكيال الملِك المُرصَّع بالجواهر {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} أي ولمن جاءنا بالمكيال وردَّه إلينا حِمْلُ بعيرٍ من الطعام كجائزة له {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} أي أنا كفيلٌ وضامنٌ بذلك {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ} قسمٌ فيه معنى التعجب أي قالوا متعجبين: والله لقد علمتم أيها القوم ما جئنا بقصد أن نفسد في أرضكم {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أي ولسنا ممن يُوصف بالسرقة قطُّ لأننا أولاد أنبياء ولا نفعل مثل هذا الفعل القبيح، قال البيضاوي: استَشْهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم من فرط أمانتهم، كردّ البضاعة التي جُعلت في رحالهم، وككمِّ أفواه الدواب لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ} أي ما عقوبة السارق في شريعتكم إن كنتم كاذبين في ادعاء البراءة {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي جزاء السارق الذي يوجد الصاع في متاعه أن يُسترقَّ ويصبح مملوكاً لمن سَرَق منه {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} أي كذلك نجازي من تعدَّى حدود الله بالسرقة وأمثالها، وهذا القول منهم هو الحكم في شريعة يعقوب وقد نسخ بقطع الأيدي في الشريعة الإِسلامية {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} أي بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين، قال المفسرون: هذا من تمام الحيلة ودفع التهمة فإنهم لما ادعوا البراءة قالوا لهم: لا بدَّ من تفتيش أوعيتكم واحداً واحداً فانطلقوا بهم إلى يوسف فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء "بنيامين" قال قتادة: ذُكر لنا أنه كان لا يفتح متاعاً ولا ينظر وعاءً إلا استغفر الله مما قذفهم به، حتى بقي أخوه - وكان أصغرَ القوم فقال: ما أظُنُّ هذا أخذ شيئاً فقالوا: والله لا نتركُك حتى تنظر في رَحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصُواع فيه فذلك قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} أي استخرج الصُواع من متاع أخيه بنيامين، فلما أخرجها منه نكَّس الإِخوةُ رؤوسَهم من الحياء، وأقبلوا عليه يلومونه ويقولون له فضحتنا وسوَّدت وجوهنا يا ابن راحيل {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي كذلك صنعنا ودبرنا ليوسف وألهمناه الحيلة ليستبقي أخاه عنده {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين ملك مصر، لأن جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُغرَّم ضعفَ ما سَرَق {إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي إلا بمشيئته تعالى وإذنه، وقد دلّت الآية على أن تلك الحيلة كانت بتعليم الله وإلهامه له {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} أي نرفع بالعلم منازل من نشاء من عبادنا كما رفعنا يوسف {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} أي فوق كل عالمٍ من هو أعلم منه حتى ينتهي إلى ذي العلم البالغ وهو ربُّ العالمين، قال الحسن: ليس عالمٌ إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله وقال ابن عباس : الله العليم الخبير فوق كل عالم.
نقاش حاد بين يوسف وأخوته حول السرقة
{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ(77)قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(78)قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ(79)فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ(80)ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ(81)وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(82)قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(83)وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84)قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ(85)قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ(86)يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ(87)}
{قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} أي إن سرق فقد سرق أخوه الشقيق من قبله يعنون يوسف، تنصّلوا من السرقة ورموا بها يوسف وأخاه { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي أخفى تلك القولة في نفسه وكتمها ولم يُظهرها لإِخوته تلطفاً معهم {قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} أي أنتم شرٌ منزلةً حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفقتم تفترون على البريء، ولم يواجههم بهذا الكلام وإنما قاله في نفسه {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} أي أعلم بما تتقوّلون وتفترون {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} استرحامٌ واستعطافٌ أي قالوا مستعطفين يا أيها السيد المبجَّل إنَّ أباه شيخ كبير في السِّن لا يكاد يستطيع فراقه {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} أي خذ بدله واحداً منا فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} أي أتممْ إحسانك علينا فقد عودتنا الجميل والإِحسان {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} أي نعوذ بالله من أن نأخذ أحداً بجرم غيره {إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} أي نكون ظالمين إن فعلنا ذلك، قال الألوسي: والتعبير بقوله {مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} بدل "من سَرَقَ" لتحقيق الحق والاحتراز عن الكذب {فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} أي ولما يئسوا من إجابة طلبهم يأساً تاماً، وعرفوا أن لا جدوى من الرجاء، اعتزلوا جانباً عن الناس يتناجون ويتشاورون {قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} أي قال أكبرهم سناً وهو "روبيل" أليس قد أعطيتم أباكم عهداً وثيقاً بردِّ أخيكم؟ {وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} أي ومن قبل هذا ألا تذكرون تفريطكم في يوسف؟ فكيف ترجعون إليه الآن؟ {فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} أي فلن أفارق أرض مصر حتى يسمح لي أبي بالخروج منها {أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} أي يحكم لي بخلاص أخي {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} أي وهو سبحانه أعدل الحاكمين لأنه لا يحكم إلا بالعدل والحق {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} أي ارجعوا إلى أبيكم فأخبروه بحقيقة ما جرى وقولوا له إن ابنك بنيامين سَرَق {وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا} أي ولسنا نشهد إلا بما تيقنا وعلمنا فقد رأينا الصاع في رَحْله {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ} أي ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الميثاق {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} أي واسأل أهل مصر عن حقيقة ما حدث، قال البيضاوي: أي أرسلْ إلى أهلها واسألهم عن القصة {وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي واسأل أيضاً القافلة التي جئنا معهم وهم قوم من كنعان كانوا بصحبتهم في هذه السفرة {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي صادقون فيما أخبرناك من أمره {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} أي زيَّنتْ وسهَّلت لكم أنفسكم أمراً ومكيدةً فنفذتموها، اتهمهم بالتآمر على "بنيامين" لما سبق منهم في أمر يوسف {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي لا أجد سوى الصبر محتسباً أجري عند الله {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} أي عسى أن يجمع الله شملي بهم، ويقرّ عيني برؤيتهم جميعاً {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أي العالم بحالي الحكيم في تدبيره وتصريفه {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} أي أعرض عن أولاده كراهة لما سمع منهم {وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} أي يا لهفي ويا حسرتي وحزني على يوسف {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} أي فقد بصره وعمي من شدة البكاء حزناً على ولديه {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مملوء القلب كمداً وغيظاً ولكنه يكتم ذلك في نفسه، وهو مغموم ومكروب لتلك الداهية الدهياء، قال أبو السعود: وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادث مصيبة أخويه لأن ذكر يوسف كان آخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان واثقاً بحياتهما طامعاً في إيابهما وأما يوسف فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلة رجائه سوى رحمة الله وفضله، وقال الرازي: الحزن الجديد يقوّي الحزن القديم الكامن في النفس، والأسى يبعث الأسى ويثير الأحزان قال الشاعر:
فقلت له إن الأسى يبعـث الأسى فدعْني فهذا كلـه قـبر مالك
{قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي تفتأ ولا تزال تذكر يوسف وتتفجع عليه {حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} أي حتى تكون مريضاً مشرفاً على الهلاك أو تهلك أسىً وحسرة وتموت {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} أي قال لهم يعقوب: لستُ أشكو غمّي وحزني إليكم وإنما أشكو ذلك إلى الله فهو الذي تنفع الشكوى إليه {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} أي أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون أنتم فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ويأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} أي اذهبوا إلى الموضع الذي جئتم منه فالتمسوا يوسف وتعرّفوا على خبره وخبر أخيه بحواسكم {وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أي لا تقنطوا من رحمة الله وفرجه وتنفيسه {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ} أي فإنه لا يقنط من رحمته تعالى إلا الجاحدون المنكرون لقدرته جلَّ وعلا. |