أخواتي العزيزات........السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أشكركن كثيرا على تفاعلكن مع الموضوع...وارجو الفائدة لنا جميعا...
والآن على بركة الله تعالى أبدأ في هذه الجمعة المباركة بسرد أول قصة لي في هذا التجمع...
كانت الساعة الرابعة عصرا....وقسم الطوارئ يعمه الهدوء،لاتسمع فيه الا أنينا خافتا يصدر أحيانا من سيدتين بدأت معهما آلام المخاض لكنه كان في بدايته....ألما متواضعا يمكنهما تحمله..وكنت أكتفي بطمأنتهما ببعض الكلمات...وتذكيرهما بأن الوقت مازال مبكرا لنقلهما من غرفة الانتظار الى غرفة الولادة......كانتا حالة ولادة طبيعة لاتستلزم وجود الأخصائي معي...فكنت جالسة في تلك الغرفة ومعي سستر الولادة(مثل القابلة)، وطبيبة أخرى ذهبت في ذلك الوقت للراحة في الاستراحة فقد كان ذاك اليوم حقيقة من الأيام القليلة التي تكون فيها الحوادث هادئة.....الى أن جاءت !
كانت سيدة في الثامنة والثلاثين من العمر...رسم الزمان خطوطه في وجهها.....يبدو الهدوء والثبات في قسماته ..
توجهت لي مباشرة قائلةُ:
(السلام عليكم يا دكتورة.....أين غرفة الولادة؟فأنا سألد الآن..!)
رديت عليها سلامها ،وطلبت منها أن ترقد أولا في سرير الكشف لأحدد وضعها وأوجه اليها بعض الأسئلة...
فقالت لي:
(أرجوك يا دكتورة ....أنا أعرف نفسي....وهذه ليست المرة الأولى التي ألد بها)
احترمت كلامها خاصة بعد أن عرفت أنها أنجبت خمس مرات...فتوجهت بها الى غرفة الولادة وأنا أوجه اليها بعض الأسئلة........
عرفت منها أن هذا الحمل السادس لها.....وأن كل ولاداتها كانت طبيعية وسريعة ،ولم تعاني فيها من أي مضاعفات والحمد لله،ولم يحدث لها أي اجهاض.....ولديها الآن خمسة أبناء ذكور الله يحفظهم لها....وتتمنى أن يرزقها الله تعالى الآن ببنت،لأنها لاترغب في الانجاب مرة أخرى....
كشفت عليها في كرسي الولادة......وكان كلامها في محله....لقد كان عنق الرحم مفتوحا بصورة كاملة...!
عملت سريعا على قياس ضغط الدم وأخذ عينات لفحص فصيلة الدم والهيموجلوبين....ليس لشئ سوى أنه روتين متبع في المستشفى....لايمكن تجاهله حتى وان كانت الحالة مستقرة لاتوحي بوجود مشاكل.....وقد فادني هذا التصرف السريع فيما بعد كما سنرى...!
كانت حالتها الصحية مستقرة تماما ووضع الجنين ونبضه مطمئن جدا....فطلبت من السستر أن تشرف على هذه الولادة حتى أكشف على مريضة أخرى كانت قد أتت في تلك اللحظة.....وسمعت صراخ الطفل في تلك اللحظة وشاهدته من مكاني والحمدلله كان بصحة جيدة.....ولكن حدث مالم أتوقعه......
سمعت الأم تبكي بشدة ......فأسرعت اليها وانا أسأل ماذا هناك؟......فلم تجبني الاببكاء شديد.....وجهت سؤالي الى السستر وفي نفس الوقت لاحظت أن المشيمة لم تخرج بعد......فسعيت الى تهدئة الأم لأن هذا البكاء سيعرقل خروج المشيمة...وهذا الأمر لانرغب فيه أبدا
.فهمت من السستر أن الام سألتها ماذا أنجبت....ولما كان المولود ذكرا ظنت أنها ستسعدها بهذا الخبر،ولكن فوجئت بردة فعلها بالبكاء......لم أستطع التكلم معها أمام الأم.....ولكني وجهتها فيما بعد بأنه من الخطأ بشكل عام اخبار الأم بأي أمر يمكن أن يؤثر على حالتها النفسية سواء ايجابيا أوسلبيا قبل اكتمال ولادتها بخروج المشيمة كاملة .....وأوضحت لها أن هذه الأم تمنت انجاب بنت لان لديها خمس ذكور حفظهم الله لها......
نعود الى اختنا الأم......حاولت تهدئتها ومساعدتها على ولادة المشيمة ولكن بلافائدة...كانت تردد أنها تمنت انجاب البنت هذه المرة فهي لاتريد الانجاب مرة أخرى.....(كلها أقسام ونعم لايحس بها الا من فقدها).....هنا استدعيت الاخصائي وأمرت بتحضير غرفة العمليات،واستعجال نتيجة فحوصات الفصيلة والهيموجلوبين، وتحضير3 الى 4 زجاجات دم ،لأن المشيمة اذا لم تخرج خلال 30 دقيقة،يجب علينا اخراجها بعملية يفتح فيها الرحم وقد نضطر الى استئصاله ويمكن أن تتعرض الام الى فقدان كمية كبيرة من الدم أثناء العملية أوبعدها.فيجب تعويضه...!سبحان الله.... لو رضيت أختنا بما قسمه الله تعالى لها لمرت ولادتها بسلام ولكن قدر الله وما شاء فعل...
المهم حضر الأخصائي وحاول استخراج المشيمة بيده بلا فائدة....
أخبرنا الام بأننا سنضطر الى ادخالها غرفة العمليات لاخراج المشيمة تحت البنج الكامل..وانه من الممكن أن نضطر الى استئصال الرحم.....وهذا قدر الله الذي عليها الرضاء به.......والحمدلله تمت عمليتها دون أن نستأصل الرحم،واحتاجت الى نقل زجاجتبن دم،وخرجت بصحة جيدة....
قابلتها قبل خروجها ...كانت نادمة على اعتراضها على قدر الله....واستغفرت الله تعالى كثيرا....وكانت تحمده كثيرا أن رد لها عافيتها ،فأرجو أن تبقى على ذلك......فالله تعالى ربنا خالقنا والعليم بما فيه خير لنا.....
فالحمدلله دائما وأبدا على نعمه الكثيرة التي لاتعد ولاتحصى.......
بعد ذلك اليوم .......بعدة أيام....... جاءت الى قسم الطوارئ سيدة تبكي بحرقة وألم......وكان معها زوجها ......رجل غاضب يصرخ بشدة فيها.........لم نفهم مايحدث أمامنا......طلبنا منه الهدوء أو الخروج وتركها معنا فقسم الحوادث ليس المكان المناسب لهذا الصراخ....فالتفت الينا بغضب وقال لنا قبل خروجه.....اشهدوا بأن هذه المرأة طالق ان هي انجبت هذه المرة بنتا......فازداد بكاء السيدة..... وخرج هو..... تتبعه نظرات الدهشة بأعيننا.....قمت بتهدئة السيدة... وبدأت سؤالها ... فعرفت أنها أم لأربع بنات الله يحفظهن لها....وهذا حملها السابع حيث أنها اجهضت مرتين....وكل ولاداتها كانت طبيعية بلا مضاعفات.....وبعد الكشف عليها كانت قد اقتربت ولادتها ....قلقت عليها فالضغط النفسي الذي سببه زوجها لها كان كثيرا...أن يحلف عليها طلاق في أمر ليس بيدها.....سبحان الله......كثير من الرجال عندنا في الشرق رغم أنهم مسلمون ولكنهم لايعرفون معنى الوقوف بجانب زوجاتهم في المستشفيات واعطاءهم دعما معنويا وحنانا تحتاجه كل النساء في هذه الظروف....على العكس الرجل الغربي تجده دائما بجانب زوجته حتى اذا مر بهم قطار العمر....يده في يدها لا تفارقها حتى أنهم يدخلون معها غرفة العمليات...!
والآن نحن في غرفة الولادة والام متوقفة عن البكاء ولكن القلق باديا في عينيها..وطبعا نبهت السستر ألا تذكر نوع الطفل مهما كان حتى تنتهي الولادة على خير....فلن أنسى ما حصل لتلك السيدة أبدا......
تمت ولادة الطفل على خير،وكانت بنتا جميلة بصحة جيدة.أخذتها احدى الممرضات بعيدا....وفورا بدأت الأم تلح لمعرفة نوع الطفل ولكن حاولنا شغلها بشتى الطرق حتى تمت ولادة المشيمة بسلام.....وبعد اخبارها بأنها انجبت بنتا بصحة جيدة والحمدلله ...عادت الى البكاء....وظل القلق ينتابنا من أن تصاب بنزيف ما بعد الولادة بسبب الوضع النفسي الذي كانت فيه...
بقينا حولها وتمنينا أن يأتي زوجها لمراضاتها والتخفيف عنها.....ولكن هيهات....
وظل السؤال على لسانها هل أنا الآن طالق؟......نظرنا الى بعضنا وقد انعقد لساننا عن الاجابة.....!!!
فهل من مجيب...؟؟!!!
القصة التي ذكرتها الآن تذكر لنا أحدى المضاعفات التي تواجه الأطباء في المرحلة الثالثة من الولادة(المرحلة التي تبدأ بعد ولادة الجنين وقبل خروج المشيمة)....وتسمى هذه الحالة المشيمة الراجعة(Retained Placenta)أو المشيمة الملتحمة(Placenta accreta)
تعريفها:تأخر خروج المشيمة بعد ولادة الطفل لمدة 30 دقيقة حتى اذا حاول الطبيب ازالتها بيده لالتصاقها بالطبقة الداخلية للرحم،وتختلف حسب درجة عمق انغراس المشيمة في جدار الرحم....فتقسم الى ثلاث أنواع :
Placenta accreta*تمثل 75%من الحالات ،تخترق المشيمة جدار الرحم ولكن لاتصل للطبقة العضلية
Placenta increta*تمثل 15%من الحالات،تخترق المشيمة الطبقة العضلية للرحم ولكن لا تثقبها للخارج
Placenta percreta*تمثل 5%_10%،تخترق فيها المشيمة جدار الرحم وتصل الى الاعضاء الخارجية كالمثانة والمستقيم:
g[103]:
النسبة:تصيب هذه الحالة 1 لكل 2500 حامل.
يكون الحمل عادة طبيعيا ،والمخاض أيضا طبيعي،وكذلك ولادة الجنين
طبيعية....
التشخيص:لايمكن تشخيصها قبل الولادة...ولكن في حالات نادرة يمكن التشخيص بالموجات الصوتية والرنين المغناطيسي اذا كان الطبيب خبيرا..
الأسباب:غير معروفة ولكن هناك أعراض وجودها قد تنذر بحصول هذه الحالة..وهي:
*حدوث نزيف خلال الأشهر الثلاث الأخيرة من الحمل،والذي يكون غالبا بسبب نزول المشيمة ووجودها في غير مكانها الطبيعي(اجزء العلوي الخلفي من الرحم هو مكان امشيمة الطبيعي)...وهذا يحدث في 5%-10%
*وجود جرح في الرحم بسبب عمليات سابقة مثل القيصرية،استئصال ورم ليفي بالرحم،أوعمليات نظافة بعد اجهاض متكرر...
ولوحظ أن تكرار عمليات القيصرية(فوق 6-5)يزيد النسبة الى 40%-60%
*ارتفاع مستوى alpha-fetoprotein في دم الام خلال الثلاث أشهر الوسطى من الحمل..
*اذا زاد عمر الام عن 35 سنة
*الولادات المتكررة(6 فأكثر)
*مرض في الجدار الداخلي للرحم مثل البطانة المهاجرة...
*القلق والناحية النفسية السيئة للأم..
ما المضار على الجنين؟
الولادة المبكرة ومضاعفاتها..
ماالمضار على الأم؟
*نزيف مابعد الولادة خاصة بعد محاولة فصل المشيمة باليد...هذا النزيف قد يهدد حياة الام فتحتاج الى عملية قيصيرية عاجلة لوقف النزيف واستئصال المشيمة كاملة ونقل دم..
*تلف وانثقاب الرحم أو المثانة والمستقيم عند محاولة ازالة المشيمة الملتصقة بهم..
*استئصال الرحم..
*الالتهاب الحاد
*الوفاة...من النزيف أوالالتهاب الحاد
العلاج: نقل المريضة -اذا قاربت الثلاثون دقيقة من نهايتها أو اشتد النزيف قبل ذلك -الى غرفة العمليات... استئصال الرحم في معظم الحالات ،وتعويض الدم المفقود اذا كانت الأم ترغب في الانجاب وكان انغراس المشيمة ليس عميقا فيمكن استئصال الجزء من الرحم الملتصق وعمل فحوصات متتابعة للدم للتأكد من زوال الهرمون الذي تفرزه المشيمة....والذي يؤكد خلو الرحم من أي بقايا لها...حيث أن أي جزء متبقي للمشيمة يمكن أن يكون مصدرا للالتهاب،ويشجع تكون خلايا سرطانية(لا قدر الله تعالى)...
واليكن بعض الصور التي توضح وضع المشيمة الطبيعي....وأنواع الانغراس الغير طبيعية....
سأحاول تنزيلها...فأرجو أن تظهر لكن.....
أتمنى لكن كل الفائدة.....والى القصة القادمة قريبا باذن الله تعالى...
في أمان الله وحفظه...
أخواتي العزيزات...سلام من الله عليكن ورحمته تعالى وبركاته...
سبحان الله......كثيرة هي الغرائب التي تواجهنا في حياتنا فنجد لسان حالنا يردد .....سبحان الله.....
وفي مسرح الطوارئ تقابلنا هذه الأحداث بكثرة،وتبقى في ذاكرتنا ماحيينا....يتقوى بها ايماننا....وتزداد ثقتنا في ربنا سبحانه....وأنه تعالى لم يخلقنا عبثا، ولم يقدر لنا أمرا الا لخير قد لانعلمه في لحظتنا.....ولكن الأيام كفيلة بتبرير الحكمة مما قسمه تعالى لنا وجزعنا منه...
واليوم سأحكي لكن قصة عالقة في ذاكرتي رغم مرور السنين.....ولن أنساها ما حييت....قصة أردد كلما ذكرتها
سبحانك اللهم وبحمدك....سبحان الله العظيم