رد: الخوف ( تعريفه ، اسبابه ، انواعه والتخلص منه ) الخوف أسبابه وجذوره
يعتقد علماء النفس أن القابلية للاستجابة للخوف، في المواقف الخطرة التي تهدد
تكامل الفرد، واستمرار بقائه، خاصية موروثة في جميع الحيوانات الثديية على الأقل.
ولكن نمو هذه الخاصية، وظهورها في حياة الطفل، لا يبدأ إلا بعد مرور عدة شهور
من عمر الطفل.. حينما يظهر لديه إحساس فعلي بذاته وشخصيته.
فمن بداية النصف الثاني، من العام الأول، نلاحظ ظهور استجابات متمايزة، يمكن
تعريفها بالخوف. إذ حوالي هذه الفترة من العمر، يظهر تميز فعلي أولي بين الذات
والعالم الخارجي، مما يمكّن الطفل من إدراك التهديد الذي يقع عليه. ولكن معظم
المخاوف تميل إلى أن تكون غامضة وغير محددة، وذلك لعدم وجود نضج إدراكي
كامل. ففي الشهور الأولى من عمر الطفل، لا يوجد شيء في نفسه يمكن أن نطلق
عليه (خوفاً). ذلك لأنه في تلك الفترة لم يتحسس بعد ذاته.. قد يبكي من الجوع أو
العطش، أو التأثر لوضع معين في جسمه.. أما حينما يدخل الستة أشهر الثانية،
وتبدأ الانفعالات بالتمييز في نفسه، فسيبدأ عنده حينئذٍ الشعور بالخوف.وعادة ما
يكون هذا الشعور عند الطفل، عندما تفارقه أمه أو يواجهه منظر غريب غير
مألوف، أو صوت مزعج. وترافق الإنسان مشاعر الخوف عند تحسس الخطر
طوال حياته، وإلى أن يموت.
لماذا الخوف؟
الخوف حالة نفسية وميل طبيعي موجود في أعماق نفس الإنسان، بغض النظر
عن الخلاف الموجود بين علماء النفس القدامى والجدد حول تحديد الخوف، هل هو
غريزة أو هو ميل فطري وحاجة طبيعية. ففي حين أن بعض علماء النفس القدامى،
كانوا يتحدثون عن غريزة الخوف، نجد أن علم النفس الحديث قد أثبت أنه ليس هناك
من كل شيء: من الفشل، التعب، الألم، السلطة، مراكز القوة، المستقبل، الموت..إلخ.
وهذا الخوف هو المسؤول عن شل قدرات الكثيرين، وتجميد طاقاتهم وكفاءاتهم،
وبالتالي فهو المسؤول عن قسط كبير من التخلف..إنه الخوف.. ذلك الشبح الذي
يلاحق النفوس حتى إن البعض يخاف من ظله ومن أطياف نومه.. ولعلك تصادف
البعض ممن يقصون عليك أحلام نومهم، وهم خائفون وجلون..
إن هذه الظاهرة المرضية الخطيرة المتفشية في المجتمع هي التي تفسح المجال
للاستبداد.فالاستبداد حينما يرى الناس خائفين خاضعين، يزداد هو قوة في مقابلهم،
والحال أن قوته ليست ذاتية.. وإنما تأتي من خنوع الناس وضعفهم أمامه..
ولكن ما هي الأسباب والجذور التي يتكون وينمو بسببها هذا
المرض الفتاك (الخوف) المفرط في نفوس كثير من الناس؟
ترى المدرسة اللاشعورية (مدرسة التحليل النفسي)، بأن الخوف ـ كباقي الأمراض
النفسية ـ ذو أسباب (جنسية)، بل وإن الخوف ـ المرضي ـ الرهاب يعود إلى الضعف
الجنسي للأفراد، ودعم فرويد نظريته، بمجموعة من الأمثلة التي تنسجم مع مسلمات
المنهج (الفرويدي). ومعلوم ـ أيضاً ـ أن المرحلة الأوديبية، في عمر الطفل، تعتبر،
المرحلة المركزية على صعيد الحياة النفسية كلها، وإن الخوف الشاذ ـ الرُّهاب ـ له
جذوره في طفولة الإنسان، وبالذات فإن عدم قدرة بعض الأشخاص على تجاوز
مشاكلهم (الأوديبية) هي التي تؤدي بهم إلى هذه الحالات. ونحن إذ، نعالج أسباب
مشكلة الخوف غير الطبيعي وأسبابه، نرفض الأخذ بهذه النظرية، لأسباب عدة:
أولاً: إن هذه النظرية ثبت فشلها، بعد ظهور المدارس الأخرى، مثل المدرسة
السلوكية، والمدرسة الشعورية (الفيزيولوجية) التي استطاعت أن تخطئ
الكثير من مسلمات ـ التحليل النفسي ـ الفرويدي.
ثانياً: إن العامل الجنسي، الذي يلعب دور المتغير الرئيسي في المدرسة اللاشعورية،
يعتبر اليوم، وضمن آخر النظريات السيكولوجية، عامل (مهم) وليس (بمحوري).
ثالثاً: إن هذه النزعة (الجنسوية) التي استند إليها التحليل النفسي، قد أفقدته القدرة
على تفسير العوامل الأخرى ـ في النفس الإنسانية ـ تفسيراً علمياً، يرقى إلى
المستوى المطلوب. كذلك نحن لا نستطيع أن نقبل العلاقة بين النظرية (الفرويدية)
القائلة (بجنسوية) الرهاب أو الخوف، وبين ظاهرة (الاغورافوبيا) التي هي حالة من
الرهاب تكتنف الإنسان في الأماكن الوسيعة، المفتوحة؟! ربما في النظرية السلوكية
(عند بافلوف) قد نجد، نوعاً من البسط والاتساع في مفهوم الظاهرة النفسية، ذلك أن
الخوف هنا ليس سوى رد فعل نفسي، سببه العادة، التي قد تكون (التربية السيئة)
أهمها، وتجربة (بافلوف) حول (الكلاب) جعلته يصل إلى نتائج مفيدة في حقل
الأمراض النفسية.. كما وفرت إمكانيات العلاج..
وعلى أي حال، فإن مجال الدراسة النفسية، هو أوسع مما حددته المدارس النفسية
الغربية، لأنها لا تفعل أكثر من استقراء النتائج من تجارب محدودة ـ إكلينيكيا ـ وفي
أوساط وبيئات لها خصوصياتها الاجتماعية والنفسية والجغرافية، وبعض الشعوب
أكثر خوفاً من الأخرى... والشعوب التي تعيش في البيئة الديكتاتورية، تكون أكثر
عرضة ـ للرهاب ـ من التي تعيش أجواء الحرية..
إذاً، يمكننا الحديث عن الأسباب والجذور، من جوانبها المتعددة، متجاوزين النظريات
ذات الاتجاه الواحد، مع مراعاتنا لخصوصياتنا الاجتماعية والنفسية والتاريخية.
لذلك يمكننا الحديث عن الأسباب والجذور التالية:
الوراثة
موضوع الوراثة، وانتقال الصفات والخصائص الجسمية والنفسية، من الآباء
والأمهات إلى الأولاد، واضح بالمشاهدة، وثابت بالبحوث العلمية، ومشار إليه في
كثير من النصوص الدينية..فتارة ما نلاحظ التشابه واضحاً بين شكل الولد وبين شكل
أحد والديه.. كما نلاحظ احتفاظهم ببعض صفاتهما الأخلاقية والسلوكية..
وعلمياً توصل العلماء بعد جهود عظيمة ودقيقة، إلى أن في الخلية التي يبدأ منها
تكوّن الإنسان توجد نواة بيضية الشكل ذات جدار مرن، توجد في داخلها أجسام
صغيرة، تظهر عند انقسام الخلية، أسموها (الكروموسومات)، وتحوي كل خلية
لدى الإنسان على (48 كروموسوماً)، ولهذه الكروموسومات أجزاء صغيرة جداً،
يبلغ عددها العشرات والمئات تسمى (الجينات) وهذه هي التي تؤثر في نقل
الصفات الوراثية.. أما دينياً فهناك نصوص كثيرة تشير إلى هذه الحقيقة، فعن
رسول الله انه قال: (( انظر في أي نصاب تضع ولدك، فإن العرق دساس )) .
وعن أمير المؤمنين : (( حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق )) .
والخوف المفرط صفة نفسية قابلة للانتقال والتوارث..
وينقل لنا التاريخ رواية جميلة عن الإمام علي، يؤكد فيها على تأثير العامل الوراثي
في نقل وتركيز صفة الخوف بالذات، في نفس الولد، ففي واقعة الجمل كان (( محمد
بن الحنفية )) ابن الإمام علي، حامل لواء الجيش فأمره الإمام بالهجوم، فأجهز على
العدو ولكن ضربات الأسنة ورشقات السهام منعته من التقدم فتوقف قليلاً.. وسرعان
ما وصل إليه الإمام وقال له: (( إحمل بين الأسنة )) فتقدم قليلاً ثم توقف ثانية فتأثر
الإمام من ضعف ابنه بشدة واقترب منه وضربه بقائم سيفه وقال له: (( أدركك عرق
من أمك )) فهنا يثبت الإمام أن الجبن والخوف الذي ظهر واضحاً في ابنه محمد ليس
موروثاً منه لأنه لا يعرف للجبن معنى قط فلابد وأن يكون من أمه.
مصاعب الحمل والولادة
لمدة تسعة أشهر تقريباً يلبث الجنين في بطن الأم، ريثما تتكامل خلقته وبناؤه، ويأذن
الله تعالى له بالولادة والخروج. وخلال هذه الأشهر التسعة، يكون الجنين جزءاً من
أمه، ينفعل ويتأثر بأوضاعها وحالاتها الجسمية والروحية..
إن جميع الحالات الجسدية والنفسية للأم تؤثر على الطفل، لأن الطفل في رحم الأم
يعتبر عضواً منها. فكما إن الحالات الجسمانية للأم، والمواد التي تتغذى فيها، تؤثر
على الطفل، كذلك أخلاق الأم فإنها تؤثر في روح الطفل وجسده كليهما، وقد يتأثر
الطفل أكثر من أمه بتلك الأخلاق، إذا أصيبت الأم في أيام الحمل بخوف شديد، فالأثر
الذي تتركه تلك الحالة النفسية على بدن الأم، لا يزيد على اصفرار الوجه، أما
بالنسبة إلى الجنين فإنه يتعدى ذلك إلى صدمات عنيفة..
ويقول العلم الحديث: إن الاضطرابات العصبية للأم، توجه ضربات قاسية إلى مواهب
الجنين قبل تولده، إلى درجة أنها تحوله إلى موجود عصبي لا أكثر. ومن هنا يجب
أن نتوصل إلى مدى أهمية التفات الأم في دور الحمل إلى الابتعاد عن الأفكار
المقلقة، والهم والغم، والاحتفاظ بجو الهدوء والاستقرار .
ولعل الحديث النبوي المشهور: (( الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في
بطن أمه )) يشير إلى خطورة مرحلة الحمل في تقرير مستقبل نفسية الإنسان.وأيضاً
فإن العنف أثناء الولادة ينتج مزاجاً كثير الميل لنمو الخوف، والأطفال الذين يولدون
بعد مخاض عسير، نفوسهم مهيأة أكثر لنمو هاجس الخوف المفرط.
التربية السيئة
المسألة الرئيسية التي تغيب عن وعي الكثير من الناس، هو رؤيتهم للشخصية
الإنسانية، فالكثير من هؤلاء، يظن أن الشخصية، تأتي دفعة واحدة، أو أنها تتكون
خارج محيط التأثير الاجتماعي والتربوي.وعلم النفس الحديث، يعتبر الشخصية،
الانعكاس الطبيعي للتربية. وإن هذه الأخيرة هي المحدد لمصير الشخصية الإنسانية..
وكثيرة هي العقد والنواقص التي يكسبها الإنسان في صباه وطفولته.. في لحظة
قصيرة من عمره، لكنها تبقى راسخة في نفسه إلى أن يصير (شيخاً) هرماً. ولذلك
اعتبر (علم النفس) التربية مسألة استراتيجية، في تكوين شخصية الإنسان.
والدراسات النفسية، كلها أو أغلبها، تتفق على أن الإنسان في بدايته لا يعدو أن
يكون (ذاتاً) لا شعورية، تتصرف بدون وعي، وأن الوعي يحصل بعد مرور الزمان،
وان مجموع التوجيهات والتحذيرات التي تصدر عن الآباء أو المجتمع أو الدين أو
السلطة أو...، هي التي تحدد سلوكه الشخصي، بعد أن تتحول هذه (المنظومة) من
الأوامر والنواهي، إلى جهاز لا شعوري، يوجه الإنسان.. والطفل في البداية، يكون
مستعداً لتلقي كل شيء سلباً أو إيجاباً.. ولذلك يجب الحذر في التعامل مع الأطفال
وتحصينهم من أن تتسرب العوامل السلبية إلى نفوسهم.
لكن من المؤسف جداً أن الآباء والأمهات في مجتمعاتنا، لا يهتمون بقراءة تعاليم
الإسلام حول تربية الأولاد، ولا يقرؤون مناهج التربية العلمية.. بل يربون أولادهم
بطرق ارتجالية تقليدية، تخضع للمزاج والتقلبات..
وكثير من الناس يستشير جدته أو أباه في طريقة تربية طفله!! ومع عدم استهانتنا
بتجارب الآباء والأجداد في شؤون الحياة والتربية.. إلا أنه لا يصح لنا أن نعتمد
عليها اعتماداً كاملاً، ونتغافل عن توجيهات الإسلام، وتجارب العلم في هذا المجال..
إن للإسلام توجيهات وتعاليم تفصيلية كثيرة، حول أساليب تربية الطفل، والعناية به
نفسياً وجسمياً..لكن تلك التوجيهات غير معروفة لجماهير المسلمين، بسبب تقصير
أجهزة ومؤسسات التبليغ الديني، وعدم التفات كثير من العلماء والخطباء إلى
ضرورة تذكير الناس بتعاليم الإسلام في هذا المجال، إلى جانب تذكير الناس بمسائل
الطهارة والصلاة.. وأيضاً بسبب عدم توجه الناس أنفسهم واهتمامهم بالرجوع إلى
دينهم في هذه القضايا. وفي حين تزخر المكتبات بألوف الكتب التربوية لشتى
الاتجاهات، تتضاءل الكتابات الإسلامية في حقل التربية وصناعة الأجيال البشرية..
إن الموجهين الدينيين علماء وخطباء وكتاباً، مطالبون بتوعية المجتمع بأساليب
الإسلام التربوية.. كما إن المجتمع مسؤول بأن يبحث عن رأي الدين وتوجيهاته
في طريقة التربية..
ومن الكتب الإسلامية الجيدة في مجال التربية مجموعة محاضرات الخطيب
(الإيراني) الشهير الشيخ محمد تقي فلسفي، والتي طبعت في مجلدين تحت
عنوان (الطفل بين الوراثة والتربية)..
إن للتربية السيئة دوراً خطيراً في زرع وتكريس السلبيات والصفات الذميمة في نفس
الإنسان.. وكثير من الناس الذين يفترسهم شبح الخوف المفرط والمزعج، إنما
ابتلوا بهذا المرض الخبيث بسبب سوء التربية..
وهناك ثلاثة أساليب منحرفة في مجال التربية
تخلق من الإنسان شخصية خائفة جبانة مهزوزة.
أولاً: التعامل الإرهابي مع الطفل:
للطفل رغبات وممارسات تنبع من عدم بلوغه مستوى النضج والرشد، وإذا كان
الوالدان مسؤولين عن توجيه رغباته، وتصحيح سلوكه، فعليهما أولاً: أن يأخذا
بعين الاعتبار كونه طفلاً له حق اللعب واللهو والعناية وارتكاب الخطأ.. وثانياً: أن
يسلكا معه الطريق والأساليب التربوية لتوجيهه وتأديبه .. وما يحدث عند كثير من
العوائل هو على العكس من ذلك، حيث لا يراعون في الطفل مرحلة الطفولة،
ويطلبون منه التزاماً وتأدباً وإدراكاً لا يحتملها سنه.. ومن ناحية أخرى تكون اللغة
المستعملة مع الطفل غالباً هي لغة الزجر والعصا والإرهاب..هذا الأسلوب يخالف
بصراحة تعاليم الإسلام التربوية، والعائلة التي تمارس الإرهاب مع الطفل تكون
عاصية ومخالفة لما شرعه الله..قال رسول الله : (( رحم الله من أعان ولده على
بره. فسئل: كيف يعينه على بره؟ فأجاب : يقبل ميسوره، ويتجاوز معسوره، ولا
يرهقه، ولا يخرق به )) .وبقوله: (( أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابكم )).
وكان: يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو ليسميه، فيأخذه ويضعه في حجره،
فربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين بال .. فيقول : لا تزرموا بالصبي
فيدعه حتى يفضي بوله، ثم يفرغ من دعائه أو تسميته. ومرة قام الرسول للصلاة
وكان سبطه الحسن بن علي (وكان طفلاً آنذاك) متعلقاً به فوضعه النبي إلى جانبه
وصلى، فلما سجد أطال السجود.. يقول أحد الصحابة: فرفعت رأسي من بين القوم
فإذا الحسن على كتف رسول الله ، فلما سلم قال له القوم: يا رسول الله لقد سجدت
في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها كأنما يوحى إليك، فقال: لم يوح إلي، ولكن
ابني كان على كتفي، فكرهت أن أعجله حتى نزل..
هذا العمل من النبي تجاه ولده الصغير أمام ملأ من الناس نموذج بارز من سلوكه في
تكريم الطفل. إن الرسول عمل أقصى ما يمكن من احترام الطفل في إطالته سجدته،
وأرشد الناس ضمناً إلى كيفية إحياء الشخصية والاستقلال عند الطفل.وعن الإمام
الصادق أنه قال: ((صلى رسول الله بالناس الظهر فخفف في الركعتين الأخيرتين فلما
انصرف قال له الناس: هل حدث في الصلاة حدث؟ قال: وماذاك؟ قالوا: خففت في
الركعتين الأخيرتين. فقال لهم: أما سمعتم صراخ الصبي؟ )) .
هذا من الناحية الشرعية..
وأما الانعكاسات النفسية التي يتركها أسلوب التعامل الإرهابي مع الطفل، فإن ذلك
يزرع في نفسه عقدة الحقارة، ويفقده الثقة بذاته، وينمو لديه إحساس بالحقد
والانتقام، رداً على ما يعانيه من كبت وضغط .. ومن الآثار السيئة التي يتركها هذا
الأسلوب الخاطىء، سيطرة الخوف والإرهاب على نفسية الطفل، وتكيفه مع هذه
الحالة..ويبدو أن أوضح تفسير لخضوع الناس للاستبداد والظلم، تكيف نفوسهم
وانسجامها وتعودها على الخضوع للقوة والاستسلام للإرهاب.. لعدم وجود
احساس داخلي بالتناقض مع تلك الأجواء!!
كيف تم ذلك؟
إنك حينما تلبث فترة من الوقت في مكان دافىء، ثم تخرج فجأة إلى مكان بارد، يشعر
جسمك بالتناقض، ويصطدم بتغير الجو، وقد تمرض نتيجة لذلك.. هذا حينما تنتقل
فجأة إلى جو مغاير للجو الذي كنت تعيش فيه، أما إذا لم يكن مغايراً فسيستقبل
جسمك الجو الثاني بصورة طبيعية..وكذلك الإنسان الذي ينشأ من صغره خاضعاً
لإرهاب العائلة، تلاحقه السياط والزجر والشتم عند أي حركة أو تصرف.. ثم ينتقل
إلى المدرسة حيث لا يقصر بعض المدرسين في مواصلة مسيرة الإرهاب والعنف
ضد الطلاب.. ويتخرج هذا الشاب من الدراسة ليعمل في دائرة ومعمل.. وهناك لا
حدود ولا قوانين تحميه من إرهاب المسؤولين.. فإذا ما عاش الإنسان الإرهاب
في بيته والمدرسة ومحل العمل، فهل سيجد تناقضاً أو يحس اصطداماً مع أجواء الاستبداد العام؟!
إن الوضع السياسي لأي شعب من الشعوب، إنما هو مجموعة إفرازات وانعكاسات
لحالة الشعب في سائر مجالاته الأخرى، وفي طليعتها مجال النشأة التربوية لأبناء
ذلك الشعب، وصدق الحديث الشريف الذي يقول: (( كما تكونوا يُولى عليكم )).
في المقابل لو نظرنا إلى أسلوب التربية وطريقة التعامل مع الأطفال والأولاد في
المجتمعات المتقدمة، لرأينا مدى احترامهم لأولادهم، واهتمامهم برعاية
مشاعرهم النفسية..
يقول أحد الأصدقاء: أردنا شراء بيت في إحدى الدول الأوروبية، وحصلنا على بيت
يشمل المواصفات التي نريدها، وبسعر مناسب، ولكننا حينما ذهبنا لرؤية البيت،
اشترط علينا صاحبه أن لا نتحدث عن موضوع الشراء أبداً أمام طفلته، التي كان
عمرها خمس أو ست سنوات!! فسألناه لماذا؟ قال: رغم أننا سننتقل إلى بيت أفضل
ولكن نخشى أن تنجرح مشاعرها حينما تسمع عن إمكانية خروجها من هذا البيت
الذي ألفته وأحبته!! قلنا: فكيف ستعملون عند الانتقال؟ قال: إننا سنمهد لذلك معها،
ونهيئها نفسياً ليكون الانتقال إلى البيت الجديد شيئاً مرغوباً لديها!!
إن الطفل الذي ينشأ هكذا محترم الشخصية، ولرأيه ورغباته اعتبار واهتمام، سيكبر
محترماً لنفسه، مدافعاً عن رأيه وحقوقه، وبذلك يصطدم مع أي أجواء تتعامل معه
بطريقة تختلف عن الطريقة التي تربى عليها..هذا عندهم..
أما عندنا فعلى العكس من ذلك تماماً، حيث يتربى الطفل غالباً في أجواء الخوف
والإرهاب مما يجعله مستقبلاً للاستبداد طوال حياته، ويجعل نفسيته خاضعة
لسيطرة الخوف، متربية عليه..
ثانياً: التخويف الكاذب
حينما لا يستجيب الطفل لإرشادات أهله يلجأون في بعض الحالات إلى تخويفه بأشياء
وهمية ليستجيب لهم تحت ضغط ذلك الخوف.. فيخوفونه (بالجن) ويهددونه
(بالشرطي) أو (البدوي)..أو (أم الخضر والليف).. أو ما أشبه.والأسوأ من ذلك كله
تخويف الطفل بالطبيب أو الحقنة أو الدواء.. مما يخلق مشكلة عويصة، عند مرض
الطفل، واحتياجه لمراجعة الطبيب، أو تناول الدواء..فتبقى نفس الطفل فريسة
لمخاوف غامضة، وأشباح وهمية، وتستمر عادة لديه حالة الخوف من المجهول،
والتهيب من الأشباح والأوهام، ولكن رموزها تختلف باختلاف مراحل عمر الإنسان.
انه أسلوب خاطىء ينمي صفة الخوف المفرط عند الإنسان.
ثالثاً: الدلال المفرط
كما أن احتقار الطفل، والتعامل الإرهابي معه، أسلوب خاطئ في التربية، فكذلك
الدلال المفرط للطفل، هو الآخر أسلوب خاطئ..إن الدلال المفرط يجعل الوالدين
يظهران اهتماماً بالغاً ومضخماً بما يصيب الطفل، من مرض أو أذى، حتى ولو كان
بسيطاً.. والذي يحدث هو تضخم الأمر في نفس الطفل، واعتقاده بخطورة ما أصابه،
وتخوفه من عواقب ذلك.. فإذا ما أشرف الطفل على الوقوع مثلاً، وهو يمشي، أو
من على مرتفع بسيط، تتصرف الأم بطريقة هستيرية مزعجة لتمسك به.. وإذا ما
مرض يقيم والداه عند فراشه، يبديان الكآبة والألم تجاهه.. وإذا ما أصابه جرح أو
أذى يقيمان الدنيا ولا يقعدانها..إن لهذا الأسلوب آثاراً سيئة، من جملتها تهيب الطفل
من أدنى خطر، وتخوفه من أبسط أذى.. يقول الإمام الباقر: ((شر الآباء من دعاه
البر إلى الإفراط)).ويهمنا التنبيه إلى أن تأثير عاملي الوراثة والتربية السيئة، في
نمو حالة الخوف المفرط عند الإنسان، ليس تأثيراً حتمياً، تعجز أساليب التوجيه،
وإرادة الإنسان عن مقاومته، بل الأمر لا يعدو وجود التهيئة والاستعداد في نفس
الإنسان، وبإمكانه التغلب على هذه الحالة وإن عايشها فترة من عمره..
رابعاً: ضعف الإيمان
الإنسان الذي يؤمن بأن هناك قوة مسيطرة على الكون، وأنه مرتبط بتلك القوة
الغالبة، فإن الأخطار والمخاوف مهما كانت كبيرة وعظيمة، ستتضاءل في نفسه
وأمام عينيه..يؤكد القرآن الحكيم هذه الحقيقة، باستعراضه لموقف المؤمنين
الشجاع، أمام أشد المخاوف والأخطار.. يقول تعالى: {لَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
يقول الإمام الصادق في تفسير هذه الآية:
عجبت لمن يخاف شيئاً كيف لا يرجع إلى هذه الآية.
إن من يشعر ويعتقد بأن وراءه تلك القوة العظمى في الكون، لابد وأن يستهين بكل
ما أمامه من قوى، فهي زائفة وضعيفة، أمام قوة الخالق الجبار.. وجميل جداً ذلك
الحديث الشريف الذي يقول: (( من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف
الله أخافه الله من كل شيء )). ويقول أمير المؤمنين في صفة المتقين: (( عظم
الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم )).
وهذه الحقيقة وراء كل تلك المواقف الشجاعة، والملاحم البطولية، التي
سطرها المؤمنون في صراعهم مع الباطل، عبر مسيرة التاريخ.
خامساً: الانشداد للدنيا والشهوات
إنما يخاف الإنسان على ما يهتم به ويحرص عليه.. وكلما كان اهتمامه وحرصه
على شيء ما أكثر بنفس المقدار يكون خوفه من فوت ذلك الشيء أو تضرره.
وبالنسبة للدنيا ومصالحها فإن خوف الإنسان المؤمن وحرصه عليها بمقدار حجمها
في نفسه، بالإضافة إلى تطلعه إلى ما في الآخرة من خلود، وراحة دائمة، وشهوات
باقية، ورضوان من الله أكبر..ولذا فخوفه وحرصه على لذات الدنيا ومصالحها يكون
محدوداً.. أما غير المؤمن فإن الدنيا هي رأسماله الوحيد، وليس لديه أي تطلع فيما
وراء الدنيا، فشهوات الدنيا والراحة فيها، ومصالحها، تعني بالنسبة له كل شيء، إذ
لا يمتلك بعدها شيئاً..ومادامت الدنيا وشهواتها تمتلك هذا الموقع في قلبه، فإن أي
تهديد يتوجه إلى دنياه وراحته فيها، يسبب له إزعاجاً، وخوفاً مرعباً..
وما أروع كلمة أمير المؤمنين حين يقول:
(( من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات )).
ومن هذا المنطلق كان علي نفسه يهزأ بالمخاوف، ويستهين بالمخاطر ويقول:
(( والله لو اجتمعت العرب والعجم على قتالي لما وليت منها فراراً.. والله لابن
أبي طالب آنس بالموت من الطفل بمحالب أمه )). لماذا؟ ومن أين حظي بهذه
البطولة والشجاعة الفائقة؟
لنتأمل النص التالي حتى نكتشف مصدر بطولة (علي) وتغلبه على حاجز الخوف..
يروي (ضرار بن حمزة الضبائي) موقفاً شهده للإمام علي فيقول: اشهد لقد رأيته
في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته،
يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: (( يا دنيا.. يا دنيا.. إليك عني،
أبي تعرضت؟ أم إليَّ تشوقت؟ لا حان حينك! غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد
طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها! فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من
قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر وعظيم المورد!))
إن غاية ما تصل إليه الأخطار، وأقصى ما تحمله المخاوف، هو إنهاء حياة الإنسان
في هذه الدنيا.. وعند المؤمن لا يعتبر هذا الخطر مهماً، أو شديداً، مادام يسير في
طريق الله ويتطلع لأجره وثوابه ورضوانه.. ولذا تبخرت وتلاشت كل تهديدات فرعون
لسحرته الذين اهتدوا للإيمان، فحينما هددهم قائلاً: (كما يحكي عنه القرآن الكريم):
{لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}..
فأجابه المؤمنون بكل شجاعة وثبات: {لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ}.
يتبع |